ابن كثير

89

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن إيجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به ، فخرجوا إلى خبير ومنهم من سار إلى الشام وخلوا الأموال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكانت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة يضعها حيث يشاء ، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة - سماك بن خرشة - ذكرا فقرا فأعطاهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان : يامين بن عمرو بن كعب بن عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها . قال ابن إسحاق : وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال ليامين : « ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني » فجعل يامين بن عمرو لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله فيما يزعمون . قال ابن إسحاق : ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها وهكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق بنحو ما تقدم . فقوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني بني النضير مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان عن أبي سعد عن عكرمة عن ابن عباس قال : من شك في أن أرض المحشر هاهنا يعني الشام فليقرأ هذه الآية هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « اخرجوا » قالوا : إلى أين ؟ قال : « إلى أرض المحشر » وحدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة عن عوف عن الحسن قال : لما أجلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بني النضير قال : « هذا أول الحشر وإنا على الأثر » ورواه ابن جرير « 1 » عن بندار عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن به . وقوله تعالى : ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا أي في مدة حصاركم لهم وقصرها وكانت ستة أيام مع شدة حصونهم ومنعتها ، ولهذا قال تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أي جاءهم من أمر اللّه ما لم يكن لهم في بال كما قال تعالى في الآية الأخرى : قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ [ النحل : 26 ] . وقوله تعالى : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ أي الخوف والهلع والجزع وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نصر بالرعب مسيرة شهر صلوات اللّه وسلامه عليه . وقوله : يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ قد تقدم تفسير ابن إسحاق لذلك ، وهو نقض ما استحسنوه من سقوفهم وأبوابهم وتحملها على الإبل ، وكذلك قال عروة بن الزبير وعبد الرّحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد ، وقال مقاتل بن حيان كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقاتلهم فإذا ظهر على درب أو دار هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال ، وكان اليهود إذا علوا مكانا أو

--> ( 1 ) تفسير الطبري 12 / 28 .